اعلان

«الرياح المصرية» في مواجهة النار الإسرائيلية الفلسطينية

لا تكاد نار الإسرائيليين والفلسطينيين تخبو، فيشعلها من جديد صراعهما الذي بلغ من العمر عتيا. وما أن يستعر لهيبها ويتطاير شررها حتى تهب رياح «مصرية» تخمدها بانتظار حريق آخر.
هكذا كان وما زال دأب مصر قبل قيام إسرائيل عام 1948 على أرض فلسطين. وإذ تغيرت اللعبة السياسية مرارا، وتقلب لاعبوها، وتجددت أدواتها، تظل المقاربة المصرية الأساسية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني على حالها: مصلحة مصر أولا.
وهي عقيدة تأخذ بالحسبان أمورا عديدة أبرزها، دور مصر في النظام العالمي والإقليمي، إضافة إلى اتفاقية السلام التي تربطها مع إسرائبل منذ عام 1978 وقبل كل ذلك، اقتصاد الدولة المصرية ومستقبل هذا الاقتصاد المرتبط بالغاز واكتشافاته المبشرة.
ويقول العميد المتقاعد ورئيس معهد الأمن القومي الفلسطيني، أحمد عيسى، في حديث لصحيفة «القدس العربي» إن «الاقتصاد واتفاق السلام مع إسرائيل يظلان المحرك الأساسي والثابت في علاقة مصر مع كل من إسرائيل وفلسطين وقد ارتبط دور مصر بهما بشكل رئيسي وسيظل إلى حين».
وأضاف: «لا تفرق مصر في ذلك بين إسرائيل والفلسطينيين، تتعامل معهما على مستوى واحد تحدده مصلحتها».
وقال: «ربما تبدو الأمور وكأن مصر تغلب مصلحة إسرائيل على الفلسطينيين، ولكن الأمر في حقيقته ليس كذلك على الإطلاق».
ولعبت مصر دوما، منذ اتفاقية أوسلو عام 1993 دورا كبيرا في تقريب وجهات النظر بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وتدخلت أكثر من مرة في تطبيق الاتفاق منذ بداياته، وكانت تقوم بدور الوساطة عند كل خلاف.
وكانت مصر أيضا وما زالت، من أوائل الدول التي تكفلت بتدريب ضباط وكوادر الأجهزة الأمنية منذ تأسيسها.
ولا تقتصر الوساطة المصرية على فض الاشتباكات الفلسطينية الإسرائيلية، بل تطال كذلك الخلافات الفلسطينية الفلسطينية، وهي تلعب منذ انقلاب حماس وسيطرتها على قطاع غزة عام 2007 دورا جوهريا في محاولات رأب الصدع الفلسطيني، وتقود المحاولات المستمرة للحوار الداخلي لإنهاء الانقسام الفلسطيني.
وهي تقود كذلك جهود وساطة كبيرة ومستمرة من أجل عملية تبادل أسرى بين حركة حماس وإسرائيل، ما يضعها في موقع متقدم دوما في التأثير على إسرائيل من جهة وعلى الأطراف الفلسطينية المتنازعة من جهة أخرى. وهي وساطات وتدخلات يشرف عليها وينفذها جهاز المخابرات العامة المصري بشكل أساسي.
ولفت عيسى أن المخابرات المصرية ظلت هي طوال الوقت المسؤولة عن الملفين الفلسطيني والإسرائيلي.
ولعل في كواليس التوتر الأخير بين إسرائيل ومصر بعد العدوان الإسرائيلي على غزة واستهداف حركة الجهاد الإسلامي ما يشي بهذه المقاربة.
وفي حين تناقلت وسائل إعلام ومصادر غير رسمية أن سبب التوتر (اعترف بوجوده علنا وزير الجيش الإسرائيلي بيني غانتس) كان له علاقة مباشرة في دور الوساطة المصرية خلال العدوان الأخير، بيد أن واقع الحال، كما أكد التلفزيون الإسرائيلي غير ذلك تماما.
وكان التلفزيون (الرسمي) قال في تقرير له إن «الخلاف المصري الإسرائيلي سببه زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى سلطنة عمان قبل شهرين، ولقائه مسؤولين إيرانيين في محاولة لإحباط ما تردد من تشكل ناتو عربي في المنطقة».
وبالفعل بعد الزيارة صعدت إسرائيل من الأمر وأعلنت عن إسقاط مسيرة مصرية في سيناء ما أثار غضب المصريين، وما لبثت إسرائيل وأعلنت عن مجزرة مقتل الجنود المصريين في اللطرون في حرب عام 1967.
وعلى تلك الخلفية، توترت علاقات الطرفين أكثر إثر المواجهة مع الجهاد الإسلامي في غزة وعمليات الاغتيال التي نفذها الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية.
وقد تكون مسألة إعلان إسرائيل عن مجزرة الجنود المصريين، القضية الأكبر التي أثارت غضب المصريين الذين طلبوا إيضاحات عاجلة من الجانب الإسرائيلي.
ولم يستمر التوتر، الذي تم التعامل معه جديا طويلا، لاسيما مع الزيارة السريعة التي قام رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي «الشاباك» إلى مصر ولقائه رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية اللواء عباس كامل.
وفي ذلك ما يدلل على أن مصر تتعامل مع الملف الإسرائيلي على مستوى الأمن قبل السياسة، كما هو الحال في الملف الفلسطيني.
وفي حين تعتبر مصر حركة الإخوان المسلمين على أنها منظمة إرهابية، فإنها تستخدم مقاربة مختلفة تماما مع حركة حماس الفلسطينية، التي هي أصلا أحد أذرع حركة الإخوان المسلمين العالمية.
ويقول العميد عيسى: «لا تتوانى مصر في التعامل مع حركة حماس، فاستراتيجيتها التي تتطلب الهدوء هناك تقتضي ذلك، وهي تعرف أن حماس تمثل سلطة الأمر الواقع، وتتعامل معها على هذا الأساس».
وثمة الكثير الذي تستخدمه مصر في الضغط على حركة حماس، لاسيما المعبر الرئيسي لقطاع غزة في رفح وهو الممر الوحيد الذي يمكن لقيادة حماس ومسؤوليها من استخدامه، إضافة لضرورة استخدامه للغايات المعيشية.
وطالما كان تأثير مصر قويا وعميقا في المسألة الفلسطينية، وبمساعدة مصر خرجت حركة فتح إلى ميدان السياسة (في عهد عبد الناصر) ومن هناك في غزة، حين كانت خاضعة للإدارة المصرية، تشكلت أساسات منظمة التحرير الفلسطينية التي غدت ممثل الشعب الفلسطيني.
ويقول عيسى: «مصلحة مصر تكمن في استقرار مستمر، ولو هش، بين إسرائيل وفلسطين، وتدرك إسرائيل ذلك وتعرف أن ذلك في مصلحتها أيضا، والفلسطينيون (السلطة وحماس) لهم مصلحة في ذلك».
وفي مناطق السلطة الفلسطينية لا بد لأي مسؤول يطمح في الوصول إلى هرم السلطة أن تكون له علاقات قوية مع مصر.
وإلى ذلك، بذلت مصر في السنوات الأخيرة جهودا كبيرة على طريق أنشاء صناعة غاز كبرى، وهي صناعة تحتاجها بلدان العالم، لاسيما، التي ستقف مع مصر في سبيل تأمين الغاز في ظل الاكتشافات الجديدة، والبنية التحتية الضخمة التي تجهزها مصر لهذا الغرض.
وتريد مصر وهي المؤسس ومقر «منتدى غاز شرق المتوسط» الذي تأسس عام 2019 ويضم الدول المصدرة والمستوردة للغاز أن تكون صاحبة التأثير في المنتدى، خاصة وأن إسرائيل وفلسطين من أعضاء المنتدى.
كل ذلك يدفع مصر للحفاظ على الهدوء في المنطقة لاسيما ما يتعلق بإسرائيل وفلسطين وهي تبقي عينا ساهرة على كليهما، ولا تتوانى في اتخاذ أي إجراءات تحقق هذا الهدوء، لكن بشكل لا يتناقض مع اتفاقية السلام التي تربطها مع إسرائيل.
بيد أن الميدان الفلسطيني الإسرائيلي يظل ساحة جاذبة للنيران والحرائق، ولا يكاد يمر أسبوع أو أقل حتى تشتعل النيران مجددا، لتجد «الرياح المصرية» نفسها ان الموسم قد أقلع من دون إنذار.

اقرأ ايضا ..  سفينتان حربيتان أمريكيتان تعبران مضيق تايوان للمرة الأولى منذ زيارة بيلوسي

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: