اعلان

في غزة والضفة.. لبيد وغانتس وسياسة “خطف صندوق الاقتراع” على حساب دماء الفلسطينيين

انتظرت، انتظرت، انتظرت، ولا شيء. أنماط التصويت في الاستطلاعات لم تتغير رغم “النصر” و “الهدوء” في غزة ورغم أداء “جيد” للحكومة. كقاعدة، الآثار السياسية بعد جولة عنيفة يفترض أن تكون أقل إثارة للاهتمام، وهنا، على المستوى بين الكتلتين، وكأن لا شيء تغير.

بخلاف سير الحياة الاعتيادي للسياسة، ما يحصل على الأرض شائق هو الآخر، مهم وإشكالي في الوقت نفسه. يواصل الثلاثي لبيد – غانتس –كوخافي، بتشجيع من “الشاباك”، الحرب ضد الإرهاب وضد الجهاد في الضفة. “سنبقى حتى آخر منفذي العمليات”، صرح رئيس الأركان الأسبوع الماضي، لم يكن هناك تصريح واسع عليل كهذا منذ أن قال بيغن “وستهدأ البلاد 40 سنة”. أقدر بأن دعم لبيد وغانتس لمواصلة الضغط العنيف في الضفة يستهدف استغلال النجاح في القطاع وضبط النفس الحماسي كي يعرضا على شعب إسرائيل فترة هدوء في صالح علاوة في صندوق الاقتراع. هذا لن ينجح. ببعض الثقة، أفترض أن الفلسطينيين أيضاً لا يريدون لنتنياهو وبن غفير أن يديرا حياتهم، والعقل السليم يقول بأن السلطة وحماس على حد سواء تفهمان الوضعية وستخفضان مستوى العنف. ويقول المنطق إن الفلسطينيين، مثلنا تماماً، ليسوا مبنيين على احتمال قتلى إلى ما يتجاوز قدرة هضم جمهورهم.

من جهة أخرى، يروي الواقع بأن ناشط حقوق إنسان اختفى قبل أسبوعين في الضفة. احتجز مكبلاً لساعات، “حُقق معه” ثم سُرّح. هذا الأسبوع جبى الإرهاب ثمانية جرحى في البلدة القديمة، ويتبين (للمرة المليون) بأن مشكلة كثيرين في الضفة ليست المواساة، بل الإرهاب. ما يحصل اليوم هو صيد إرهابيين كبار في أعمار 20 زائد – ناقص، أو نشطاء سياسيين هم هدف سهل ورخيص. المشكلة: تعليمات فتح النار التي هي مدخل للخلل العملياتي (قتلى بعدد يتجاوز مستوى الاحتمال) يشعل المنطقة، وتوسيع لاصطلاح الإرهابي – انتقلنا من القنبلة الموقوتة التي من الواجب تحييدها إلى القنبلة المخططة التي من الواجب وقفها وفحصها، والقنبلة “المنوية” أي تقريباً كل شاب أصيب عقب الاحتلال وينوي “عمل شيء” وهؤلاء هم الأغلبية الساحقة من شباب الضفة.

اقرأ ايضا ..  «الجهاد الإسلامي»: الكلمة النهائية في المفاوضات مع الاحتلال ستكون لنا

للامتناع عن التدهور عقب انعدام الوضوح الفتاك إياه في تشخيص من نقتل أو نعتقل أو نحق أو نحذر أو نتحرش، فإن غانتس ولبيد ملزمان بالتحكم في مجال القرارات المستقلة لوحدات الجيش الإسرائيلي والشباك والشرطة. إذا ما فقدا السيطرة وأصبحت كل ضحية إسرائيلية احتفال رقص بالانتصار على الدم المسفوك، فهذه ليست الفوضى التي ستكون هنا بل ستسقط أيضاً ورقة “الهدوء” و “الانتصار” للحكومة الحالية قبيل الانتخابات. السؤال هو: أين تمر الحدود بين الهدف الذي هو “الانتصار على الإرهاب” وبين الواقع الذي هو الإرهاب إلى الأبد أو، للأسف، “مئة سنة إرهاب” على حد وصف رافي ايتان، وبخاصة عندما يكون هناك احتمال غير قليل بأن يشعل الأرض إسلاميون متزمتون واستفزازيون من بين المستوطنين. “تصفية الإرهاب” هي بحد ذاتها هدف متعذر ما لم تعالج المشاكل الأساسية والتوجه إلى تسوية سياسية.

وثمة هدف محتمل، مقارنة بتصفية الإرهاب، وهو التصفية السياسية لكتلة نتنياهو، بخاصة في سياق التسوية السياسية. هذا الرجل كان سيصل إلى عدد لا يحصى من الزعماء في العالم، يتفق معهم على الحاجة للتسوية، يجني ربحاً دولياً، يطلق في الهواء تصريحات معتدلة ولاحقاً، كآخر الغشاشين، يتراجع عن موافقته. بين الحين والآخر حين ضغط رؤساء أمريكيون (كلينتون، أوباما) عليه لتنفيذ وعوده وإلا فسينحى عن المنصة الدولية، اضطر للموافقة على خطوة ما (انسحاب من الخليل لدى كلينتون، تجميد الاستيطان لدى أوباما). وعندها كان يأتي إلى مكتبه مخلدو النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني في الساحة السياسية وفي جهاز الأمن ويعيدونه إلى مسار الصدام الخالد.

بكاء للأجيال

للتصدي للتذبذب الإسرائيلي بنى الفلسطينيون آلية تحافظ على جمرة مشتعلة من المقاومة العنيفة. إسرائيل تتراجع قليلاً لكن نظام الاحتلال يستمر. سيكون في المحيط دوماً أحد ما يذكرها باستكمال المهمة. رفض دولة إسرائيل خوض مفاوضات مع م.ت.ف أدى إلى سلسلة أعمال إرهاب رهيبة من جهتهم، حملات وتصفيات من جهتنا وحفر قبور متبادل. وبعد أن امتلأت سلة الدم بدأت محادثات أوسلو، تقسيم إلى مناطق أ ب ج في الضفة، وتعاون أمني مع السلطة الفلسطينية. في عهد باراك كرئيس وزراء، جرى الحديث حتى عن اتصال بري بين غزة والضفة.

اقرأ ايضا ..  خلال اقتحام الاحتلال لجنين.. استشهاد فتى واعتقال قيادي بالجهاد الإسلامي وسرايا القدس تعلن الاستنفار

بالتوازي مع محاولة تصفية م.ت.ف ومنع الربط بين الفلسطينيين في غزة والضفة، بدأ “الشباك”، منذ عهد أريئيل شارون كرئيس الوزراء، الدعم السري لحماس كجسم ديني منافس لـ م.ت.ف العلمانية. الحصار على غزة كان ولا يزال يشكل جزءاً من سياسة تستهدف تنفيذ مخططات العزل بين غزة والضفة. الحصار الذي فرض على السكان استهدف إضعاف حماس كتنظيم إرهابي مسلح يريد تصفية إسرائيل ويطلق صواريخ القسام والانقضاض على الجدار. النتيجة معاكسة. عملياً، العزل هو أساس الجهد الإسرائيلي في مواجهة محاولات تصميم شيء ما مع فلسطيني آخر في الطريق إلى دولة مستقلة. افترض أننا كلنا سنفهم بالضبط عما يدور الحديث عندما تفتح ملفات الأعمال السرية التي استهدفت إثارة الشقاق والنزاع بين حماس، وفتح والسلطة.

النكتة هي أن كل هذا عظم قوة حماس، وكان غباء وبكاء للأجيال وصل الذروة عندما صفت حماس م.ت.ف في القطاع، وأصبح ونتنياهو رئيس الوزراء. أطلق سراح أحمد ياسين زعيم حماس الكفاحي من السجن (كي يوحد الصفوف ضد م.ت.ف)، وحرر أكثر من ألف سجين (تحرير شاليط)، وأقر نقل الأموال إلى القطاع، وأدار مفاوضات بوساطة مصرية. وماذا تعرفون؟ ثبت نتنياهو مكانة حماس وسيطرتها سواء في القطاع أم الضفة.

بالمناسبة، المقاتلون الخالدون ضد الإرهاب الفلسطيني منذ حرب التحرير خرجوا عن أطوارهم منذ تطبعت العلاقات مع السلطة. وكأن ماذا؟ أمس، عولج إرهابيو م.ت.ف بالتنكر وبالتصفيات، وأصبحوا أصدقاء فجأة؟ كل قلبي على المقاتلين ضد الإرهاب الفلسطيني إلى أبد الآبدين ممن تلقوا هذه الأيام ضربة تنسيق حكومة لبيد – غانتس مع حماس. ولن يكونوا راضين عنهما إذا سيطير هذا التنسيق في جولة غير ناجحة إلى الهوامش في صالح حملة أخرى للقضاء على الإرهاب واحتلال القطاع، والضفة، وكل ما تبقى.

اقرأ ايضا ..  الجهاد تجري اتصالات مكثفة مع مصر بشأن الأسيرين السعدي وعواودة

يشرح الخبراء بأن حسابات قيادة حماس ألزمتهم بالاعتدال، وهنا تأتي اللحظة. رغم الانقسامات الداخلية وفي كل خطوة تاريخية للتعاون مع إسرائيل، يبقي الشعب الفلسطيني، من خلال آلية الجمرة المشتعلة إياها على تنظيم عنيف نشط. اعتدلت م.ت.ف، وبرزت حماس، هذه اعتدلت، وبرز الجهاد. وحتى إذا ما “اعتدل” الجهاد، فليست هذه نهاية الأمر، دوماً سيكون إرهاب إيراني في المناطق كي نقاتله.

في هذه الأثناء، يتعين على حكومة لبيد وغانتس أن تدير سياسة الأمن في ظل الانتخابات، ما يعيدنا إلى المشادات النازفة في الضفة اليوم والاستسلام لمطالب المستوطنين، مثل الحجيج إلى الحرم والتأجيل في “حومش”. في ظل عدم اليقين الذي نعيشه اليوم، ثمة طعم براغماتي مرير للجناح اليساري، لابتلاع هذه الخطوات.

بقلم: ران أدليست

 معاريف 19/8/2022

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: