اعلان

محللون: إسرائيل وروسيا على موعد مع الأزمات

علمنا الخميس الماضي أن ممثلية الوكالة اليهودية في روسيا تلقت استدعاء لجلسة المحكمة في موسكو، التي سيناقش فيها طلب وزارة العدل الروسية وقف نشاط الوكالة في روسيا. الرواية السائدة منذ ذلك الحين في وسائل الإعلام الإسرائيلية هي أن الأمر يتعلق بعقوبة على موقف إسرائيل تجاه الحرب الروسية – الأوكرانية. هذا تفسير سطحي وغير دقيق، الواقع معقد أكثر. يمكن القول بأن التهديد الحقيقي الذي يحلق الآن فوق مكاتب الوكالة هناك هو نتيجة عدة ظواهر قديمة؛ الأولى هي منحى ابتعاد روسيا عن الغرب، وفي أعقاب ذلك عدم صبرها على جهات خارجية تعمل على أراضيها. في العام 2012 تم سن عدة قوانين تقيد فيها بشكل كبير تسلم أموال ومنح أو مساعدات من الخارج من قبل أشخاص أو منظمات ووسائل إعلام روسية. ونتيجة لهذه القوانين، أعلن عن عشرات التنظيمات كـ “عملاء أجانب” وتضررت نشاطاتها. منظمات وصناديق ومعاهد أبحاث كثيرة في الغرب أعلن عنها في السنوات الأخيرة كـ “منظمات غير مرغوب فيها”، وحظر على المواطنين الروس التعاون معها.

بدأت ممثليات المنظمات الأجنبية في الانغلاق قبل عقد. وتم طرد وكالة المساعدات الأمريكية “يو.اس.ايد” من موسكو في 2012، نشاطات “المجلس البريطاني” (منظمة الثقافة والتعليم البريطانية) حظرت عام 2018. وهي ظاهرة اشتدت منذ بداية الحرب في أوكرانيا. في نيسان 2022 أغلقت وزارة العدل الروسية ممثليات 15 منظمة وصندوقاً أجنبياً، منها هيومن رايتس ووتش، وأمنستي، إنترناشيونال، وممثليات صناديق ألمانية معروفة، مثل صندوق هنرخ بيل، وصندوق كونراد اديناور، وصندوق ناومن، وغيرها.

السبب الرسمي للإغلاق دائماً: خرق القانون الروسي، بالأساس طلب الإبلاغ، والضرائب وغيرها. فعلياً، نظام فلاديمير بوتين غير راض عن وجود أجانب يدفعون قدماً بقيم ديمقراطية ليبرالية وانفتاح وحقوق إنسان. عدم التسامح هذا ازداد إلى درجة أن أي علاقة مع الغرب تعتبر لعنة على أي منظمة. على سبيل المثال، هكذا هي حال المنظمة البولندية فيسبولينوتا بولسكا، التي أغلقت هي أيضاً في نيسان، التي تعاملت مع العلاقات مع الجالية البولندية في روسيا وأحيت من أجلها مناسبات ثقافية وقامت بتعليم اللغة البولندية – بما يشبه نشاطات الوكالة في أوساط الجالية اليهودية.

اقرأ ايضا ..  ذي انترسيبت: الأمريكيون نادرا ما يرون الوجه الحقيقي للقصف الإسرائيلي على غزة

الظاهرة الثانية هي ازدياد اللاسامية في روسيا. في كل سنوات التاريخ، سواء في الإمبراطورية الروسية القيصرية أو في الاتحاد السوفييتي، كان اليهود متهمين بأنهم طابور خامس. ومثلما في كل الأماكن الأخرى في العالم، ازدادت كراهيتهم في وقت الأزمات. ليس عبثاً أن سمح وزير الخارجية الروسي لنفسه بإصدار تصريحات غير دبلوماسية بشكل واضح مثل “اللاساميون الأكبر هم أنفسهم يهود، وكانت في هتلر دماء يهودية”. الثلاثون سنة الأخيرة تميزت بازدهار حياة اليهود في روسيا كما يبدو، ولكن نظام الحكم عرف دائماً كيف يراقبهم وكيف يضعف الجهات المريحة له، الحاخامات والمنظمات. الحرب في أوكرانيا كانت محفزاً أيضاً لهذه الظاهرة. ودليل ذلك أن الجهات اليهودية التي تحصل على تعاطف أقل من قبل النظام الحاكم غادرت روسيا في بداية الحرب، بما في ذلك الحاخام الرئيس في موسكو، بنحاس غولدشميدت.

الظاهرة الثالثة المرتبطة بالوضع الآن هي إسرائيلية بالتحديد. القصد هو الرد غير الكافي لإدارة الوكالة اليهودية على إشارات تحذير كثيرة أطلقها النظام الروسي نحوها منذ نهاية سنوات الألفين. في العام 2009، حسب طلب للروس، اضطرت الوكالة إلى تسجيلها كمنظمة روسية محلية، وتوافق على تطبيق القانون والسلطات الروسية عليها، وازدياد الضغط عليها. في العام 2010 ووجه نتان شيرانسكي، الذي كان رئيس الوكالة في حينه، برفض السلطات عندما خطط لعقد اجتماع لمجلس الأمناء في بطرسبورغ. تم إلغاء الحدث الاحتفالي عندما كان في مراحل الإعداد المتقدمة.

هكذا، لم يفوت الروس طوال سنين فرص التعبير عن عدم الرضى من نشاطات الوكالة على أراضيهم. وقد صعبوا على المبعوثين في استخراج تأشيرات عمل، واستخدموا ضغوطاً بيروقراطية مختلفة. رغم ذلك، لم تنجح الوكالة في ملاءمة نشاطاتها مع المحيط الذي أصبح معادياً أكثر فأكثر. حتى رسالة التحذير قبل الإغلاق، التي تسلمتها الوكالة قبل أسبوعين تقريباً، لم تدفعها إلى العمل. لم يحصل الموضوع على الاهتمام المطلوب في اجتماع مجلس الأمناء الذي عقد بالفعل في القدس في ذلك الوقت. حتى البعثة التي كان يمكن أن تسافر غداً إلى موسكو لم تبدأ في تنظيم أمورها إلا بعد أن تسلمت استدعاء للمحكمة، ويصعب جداً رؤية كيف ستستطيع منع القدر السيئ.

اقرأ ايضا ..  موقع بريطاني: المقاومة حلال على أوكرانيا وحرام على غزة

تقديري هو أن الظاهرتين الأوليين ستتعاظمان في الفترة القريبة. لذلك، على إسرائيل الاستعداد لأزمات أخرى مع روسيا من خلال الإدراك بأن مجال مناورتها آخذ في التقلص. لا يمكننا التصرف إزاء روسيا كما تعودنا، لذلك مطلوب استراتيجية جديدة ترتكز على تموضع إسرائيل في النظام العالمي الجديد الآخذ في التبلور.

بقلماركادي ميل – مان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: