بعد «مسيرة الأعلام» في القدس: توحش وتغول إسرائيلي غير مسبوق

يمكن القول إن ما نقلته وسائل الإعلام المختلفة أثناء تغطيتها اللحظية لمجريات «مسيرة الأعلام» يوم الأحد الموافق 29 من الشهر الماضي لم تكن إلا للقليل مما جرى وتعرضت له مدينة القدس، المشهد الكلي أخفى الكثير والكثير من التفاصيل التي لو جمعت لاكتمل المشهد وتعزز وصوله وفهمه ونقله.

وأمام لحظة انفكاك وسائل الإعلام العربية والعالمية بعد انتهاء فعاليات «المسيرة المجنونة» بقيت المؤسسات الإعلامية المقدسية وكاميرات النشطاء المقدسيين وروايات المواطنين البسطاء الذين تعرضوا لعمليات من الضرب والاعتداء والتهديد الذي لم يسبق لها مثيل، تحاول أن تلملم الصورة الكلية وتنقل الوقائع.
غير أن انفضاض المسيرة لم يوقف مفعولها وتداعياتها على القدس من ناحية وعموم فلسطين التاريخية من ناحية أخرى، فما جرى في ذلك المساء الصعب أراد له رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت أن يكون محاولة لكسر المعادلة السياسية وقلب معادلات الردع التي تأسست قبل عام تقريبا.
وحسب الكاتب والمحلل السياسي راسم عبيدات فإن ما نفذه الاحتلال بعد مسيرة الأعلام يعكس توحشا وتغولا إسرائيليا غير مسبوق بحق المقدسيين خاصة وبحق الفلسطينيين عامة.
ويضيف عبيدات الذي يشغل عضو هيئة العمل الوطني والأهلي المقدسية: «المسيرة وخروجها بالصورة التي ظهرت بها فتحت شهية الاحتلال الإسرائيلي على ممارسة كل ما من شأنه تعزيز مشروع تهجير المقدسيين وقمعهم».
وتحمل تطورات الأسبوع الماضي في القدس مضاعفة وتكثيفا لسياسات الهدم والاستهداف في عموم مناطق المدينة، حيث إبعاد المقدسيين وسياسة الاعتقال وتزايد هجمات المستوطنين، كلها عناوين ممارسات يومية جاءت مرتبطة بما بعد مسيرة الأعلام حسب عبيدات.
قائمة الأخبار الآتية من القدس تشي بما يتحضر للمدينة، لكن تطورات الأحداث فلسطينيا وإسرائيليا، إقليميا وعالميا، حسب عبيدات، تؤشر إلى إمكانية أن نشهد معركة «سيف القدس 2» التي كادت أن تقع الأحد الماضي.
يشير عبيدات في حديثه مع «القدس العربي» إلى أن المنطقة ملتهبة، الميدان كذلك، كما أن إسرائيل تنفذ مناورات عسكرية على مدى 25 يوما باستخدام كل قطاعات الجيش الإسرائيلي، والتحضيرات والأحاديث عن مهاجمة الاحتلال لإيران، وهي كلها أمور لا تبعد الحديث عن مواجهة مقبلة مرتقبة.
ولا يستبعد أن تنفجر الأوضاع على غرار ما جرى في معركة سيف القدس وربما يكون الأمر أشمل وأكبر.

اقرأ ايضا ..  الإعلام العبري : الجهاد الاسلامي لن يدخل مواجهة مع "إسرائيل" قبل الحصول على دعم من حماس

انفتاح شهية الاحتلال

وتركزت الاعتداءات في القدس وبشكل مباشر، بعد انتهاء المسيرة، على بيوت أهالي حي الشيخ جراح، حيث نظم عشرات المستوطنين الهجمات على البيوت والسيارات والمواطنين، وهي تحمل مؤشرات قوية على انفتاح شهية الاعتداءات أمام نجاح المسيرة.
نجاح القمع الإسرائيلي يغري بالمزيد منه، فكيف والاحتلال لديه شهية مفتوحة على قمع المقدسيين تحديدا، فهو يتصرف حسب نشطاء وكأن هناك ثأرا بينه وبين المقدسيين، إنها «معركة تكسير للرؤوس».
يؤكد عبيدات على أن الاحتلال حاول عمليا فرض وقائع جديدة من أجل تكريس التقسيم الزماني والمكاني ورفع الأعلام والسجود الملحمي داخل المسجد الأقصى، وهو طقس ديني يعتبر أعلى شكل في الصلاة التلمودية.
ويرى أن بينيت الذي أصر على مسار وزمان المسيرة وبزيادة عددية في المستوطنين وكل ما تبع المسيرة يدلل على أن هناك ضوءا أخضر من المستوى السياسي لاستهداف المقدسيين، حيث نشهد لأول مرة اقتحامات يومي الجمعة والسبت إلى جانب اقتحامات فتية المستوطنين ورفعهم الأعلام في منطقة باب العامود.
في القدس تكثفت الهجمات الاحتلالية، فإلى جانب الهجمات على حي الشيخ جراح هناك تكثيف في هدم المنازل عبر مزيد من الإخطارات في سلوان ووادي الربابة ومختلف مناطق القدس، فقد أخطر الاحتلال قبل يومين بهدم بناية يعيش فيها 100 مقدسي، كما نفذ الاحتلال هدم المزيد من المحلات والمنشآت التي تعود لمقدسيين بالقرب من حاجز قلنديا العسكري.
كما أقرت ما تسمى بـ «اللجنة المحلية للتنظيم والبناء» التابعة لبلدية الاحتلال، بناء 820 وحدة استيطانية جديدة، في منطقتين جنوب البلدة القديمة في العاصمة المحتلة. وحسب المخطط، يتضمن المشروع في جزئه الأول بناء 130 وحدة استيطانية في محطة القطار العثماني- الثوري، أما الثاني بناء 490 وحدة على امتداد (الولجة- القطمون)؛ ضمن مخطط عزل القدس والضفة الغربية لصالح توسيع المستوطنات جنوب المدينة.
وحسب المحلل السياسي عبيدات فإن ما يفسر تصاعد الاعتداءات الاحتلالية على المواطنين في مدن الضفة الغربية يمكن أن يفهم في ضوء مسيرة الأعلام.
وخلال اليومين الماضيين قتلت القوات الإسرائيلية 5 شبان في جنين وبيت لحم ورام الله والخليل وغزة.
ويضيف: «صحيح إن المسيرة بالقدس المحتلة لكن صداها في كل فلسطين التاريخية المحتلة، فعمليات القتل اليومية تدلل على توحش الاحتلال».
ويشدد على أن المسيرة ونجاحها حققا للاحتلال سيادة وسمعة وهمية، فجلب آلاف الجنود لحماية مسيرة أعلام في مدينة محتلة يعني بالضرورة أنها مدينة «ليست موحدة» وأن «السيادة هي آخر ما يجب أن يتم الحديث عنه».

اقرأ ايضا ..  مسؤول روسي: العلاقات مع واشنطن وصلت إلى درجة الصفر

القدس ليست وحيدة

ويطالب عبيدات بدوره ألا تعمي المسيرة عن رؤية الفعل المقدسي حيث يقول: «بالتزامن مع انطلاق المسيرة كانت مسيرة مقدسية ترفع الأعلام الفلسطينية تنطلق من شارع صلاح الدين بكل معانيه ورمزيته، وهي تؤكد على أن القدس بأرضها وسمائها وما فوق الأرض وتحتها ينبض بالعروبة وبتاريخ هذه الأمة وحضارتها».
ويرى أن الهدف المركزي للمسيرة كان يتمثل في محاولة «كسر ما أرسته معركة سيف القدس في أيار/مايو من عام 2021 بالربط والوحدة السياسية ما بين القدس وغزة، وإعادة ربط الساحات الفلسطينية مع بعضها البعض».
وعن مصير القدس التي تشهد يوميا إجراءات احتلالية فأكد عبيدات أنه عاصر وعاش كل الهبات بالقدس منذ عام 2017 وحتى اليوم حيث عاشت المدينة أكثر من خمس هبات شعبية أو انتفاضات كان إلى جانب القدس أهلها الفلسطينيون من مناطق فلسطين المحتلة عام 1948 فهؤلاء يعتبرون خزانا بشريا مدافعا عن المدينة إلى جانب أهلها.
والمختلف في «مسيرة الأحد» هو أن المقدسيين راهنوا على تدخل المقاومة في غزة وهو ما رفع سقف التوقعات، حيث جاء رد المقاومة مخالفا لما توقعه المواطنون وهو أمر نابع من سياسات ميدانية مختلفة.
ويرى أن هناك خطأ يجب الاعتراف به، فالجماهير المقدسية، شحنتها تصريحات المقاومة التي رفعت من معنوياتها، ولكن الردود لم تكن بحجم التمنيات، والرسائل الإعلامية الخاطئة أو التهديدات التي لا تتم ترجمتها إلى فعل في الميدان، من شأنها أن تصيب الجماهير بحالة من الإحباط واليأس، وتضربها في العصب المركزي «المعنويات».
صحيح أن المسيرة حملت مظاهر استعراض القوة التي أظهرها الاحتلال ومستوطنوه لكن ذات الحدث يحفل بمشاهد البطولة، ومن تلك المشاهد المواجهات التي شهدتها أزقة البلدة القديمة بين المستوطنين وقوات الاحتلال وأهالي وشبّان القدس دافعوا عن أنفسهم ونسائهم وأرضهم.
فقد أظهر مقطع فيديو مصوّر مهاجمة مستوطن للمرابطة المقدسية عايدة الصيداوي، خلال تواجدها قرب باب العامود، بالضرب والدفع، ثم قام آخر برشّ غاز الفلفل باتجاهها ما أدى لسقوطها أرضاً، ثمّ جاء الرّد الفوري، من قبل أحد الشبان الفلسطينيين الذي هاجم المستوطن ودفعه نحو الأرض، مُدافعاً عن الصيداوي.
المرابطة الصيداوي تبدو نموذجا للمقدسية المناضلة، هذا النموذج الذي أصبح يتضاعف ويزداد، فرغم أن مستوطناً قام برشّ غاز الفلفل نحوها، ومزق جلبابها، ومن ثمّ دفعها نحو الأرض، ولكنها تصر على قول: «اللي بدو وطن بدو يضحي».
أما في المشاهد التي يقدمها وداع المقدسي مراد غازي العباسي لعائلته قُبيل مغادرته مدينة القدس بسبب قرار إبعاده الذي صدر عن الاحتلال بشكل دائم عن مدينة القدس، ففيه حديث طويل عن القهر والظلم وقلة الحيلة التي تجعل من المقدسيين وقضيتهم مسألة حاضرة ولا يمكن لمسيرة الأعلام ولا لغيرها أن تحجبها.

اقرأ ايضا ..  فرنسا: نتائج الانتخابات «صفعة» لماكرون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: